جان لوئيس بوركهارت
40
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
المصريين بعد أن يقيموا حينا بالأزهر الشريف يتلون القرآن ويقرءون الكتب الدينية . وقد علمت بعد التحري أن معظم هؤلاء الحجاج من أهالي دارفور وبرقو . ولم أجد من نيف وأربعين حاجا تحدثت إليهم بإسنا واحدا قدم من كاتسينا [ في نيجريا ] في أقصى الغرب ، ولكني وجدت منهم نفرا قدموا من ونقارة . ولعل لفظ « تكرورى » الذي يطلق على الواحد منهم نسبة إلى إقليم تكرور في السودان . ويعرف الذين يقرءون ويكتبون بينهم « بالفقراء » ، وهو لفظ يطلق بصعيد مصر على العلماء كافة ، ويقصد به حفظة القرآن ، ممن يعرفون كتابة الأحراز والتمائم التي تبطل السحر وعمل الشيطان . وبعد تسع ساعات ونصف وقفنا بالجسر الجنوبي لوادى سرس ، عند كوخ لبعض عرب القراريش ، وكانوا يقومون هم وأسرة من الأشراف على زراعة حقول قليلة من القطن والفول . فقدموا لنا عشاء من اللبن ، وأكدوا لنا أنهم لا يملكون خبزا ؛ بل إنهم لم يذوقوا طعمه من شهرين . فوزعت عليهم مكيالا من الذرة ، مشترطا ألا يقايضوا عليه بشئ آخر ، بل يصنعوا منه خبزا لهم ولنسائهم ، فقلما ينعم النساء بهذا الترف الذي يكاد يختص به الرجال من أزواج وإخوة . وما لبثت النسوة إثر هذه النفحة أن انطلقن جميعا بطحن الذرة بين حجرين من الجرانيت ، إذ لا يملك الرحى التي تدار باليد والتي يستعملها بدو جزيرة العرب غير سراة القوم . ثم صنعن خبزا كثيرا ، وظلت الفتيات يأكلن ويغنين طوال الليل ، وكثيرا ما كن يشاركننا حديثنا وسمرنا ، لأنه لم يكن يفصلهن عنا غير حاجز من أغصان الطرفاء . وغذاء القوم أوراق الفول وبذور الكركدان السوداء ، وهي في حجم بذور الكزبرة . وينمو الكركدان بريا في بطن الحجر ، ويزرع في أنحاء من شمال النوبة . ويصنعون من بذوره المحمصة نوعا من القهوة لا بأس بطعمه ، ولكن العرب يؤثرون أن يصنعوا هذه البذور خبزا . كذلك تنتشر هنا السمكة ، وهي شجيرة قرنية تصلح غذاء طيبا للإبل ، وثمرها قرون كالبازلاء تحوى حبوبا وردية مستديرة قد تؤكل خضراء ، ويجمعها العرب ويجففونها ، ثم يغلونها جيدا ليستخلصوا منها زيتا يستعملونه بدل الزبد دهانا لشعورهم وأجسامهم .